|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم كلمة مضيئة لعلماء الإسلام لقضايا راهنة و اتفقت كلمة علماء الأمة على أنه إذا استولى مسلم بقوته وشوكته وعصبيته على الخلافة - وتمكن فيها ، وقامت حكومته ، وقوي أمره - وجب على الأمة أن تطيعه ، وتسمع له ، وتخضع لخلافته مثل ما لو كان أصابها بحق ، ولا يجوز لأحد الخروج عليه ، والقيام على وجهه ، ومَن يفعل ذلك يقاتله المسلمون ، ويعينون الخليفة عليه ، مهما كان الخارج ذا فضل وصلاح وأهلية ؛ لأنه مفارق للجماعة ، وخارج على السلطان . هذا هو حكم الشريعة في هذه الصورة ، وحكمته واضحة جليَّة ، وهي أن قيام الشريعة وبقاء الأمة يتوقف على الحكومة القوية ؛ إذ هي أساس للحياة الاجتماعية ، وقد جعلت لها الشريعة نظامًا في غاية من الكمال والجودة ، فخولت للأمة حق انتخاب الأمير ، وجعلت الشورى أساسًا للانتخاب ، وشرطت شروطًا في الأمير ، ولم تعتمد في الإمارة على امتيازات الجنس والعصبية والملوكية ، بل جعلتها حرة وجمهورية محضة لا يشوبها الاستبداد والضغط أبدًا ، ثم حذرت الناس من أن يتصدوا لها ، ويرشحوا أنفسهم لأجلها ، وينافسوا فيها ، ويتطلعوا إليها ، فيقاتلوا ، ويحاربوا عليها ، ويسفكوا الدماء في سبيلها ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبايع الناس على هذا ، فيقول : ( لا ينازع الأمر أهله ) هذه كلمة صغيرة في ظاهرها ، كبيرة في ذاتها ، وكافية لإبطال الحروب والمنازعات بأسرها ، وقد بوَّب البخاري في صحيحه عليها بابًا فقال : ( باب ما يُكره من الحرص على الإمارة ) ، وروى فيه حديث أبي موسى الأشعري قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إِنَّا لا نولي هذا الأمر مَن سأله ، ولا مَن حرص عليه ) ، وكان الغرض من هذا التحذير والمنع ؛ لأن الناس إذا لم يحرصوا عليها سهل للأمة انتخاب الأصلح والأهل لها . هذا هو النظام الحقيقي الذي جعلته الشريعة للخلافة الإسلامية ، ولو بقي معمولاً به لصلحت الدنيا كلها ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه لا يدوم أكثر من ثلاثين سنة ، فبيَّن للأمة ما يجب عليها عندما ينهدم ذلك ، ويحل محله الاستبداد والقهر . لنفحص المسألة فحصًا جيدًا ؛ لنرى أية خطة أحسن عند تغلب المتغلبين على الخلافة ؛ فإن هنا خطتين : ( إحداهما ) أن يقبل الاستبداد ، ويخضع له صيانةً للجماعة ، وحفظًا لنفوس الأمة ، وذَوْدًا عن البلاد الإسلامية من الأعداء ، وصونًا لأوامر الشريعة من التعطيل وغيرها كثير من المصالح العامة ، ولا تنسَ أن هذه الحكومة ، وإن كانت مستبدة قاهرة إلا أنها إسلامية تغار على الدين ، وترفع شأن الأمة في نظر الأعداء ، نعم تنتقل الحكومة الإسلامية في هذه الصورة إلى مستبد تغلَّب عليها ، ولم يبالِ بالنظام الشرعي لها ، ولا ريب في أنه تنشأ عن هذا مفاسد كثيرة [7] . وأما الخطة الثانية : فهي أن يقاتل المتغلب ، ويخرج عليه ، وترد الخلافة على مَن هو أصلح لها منه ، ولكن إذا فعل ذلك جرت الدماء أنهارًا في حروب تشيب من هولها الولدان ، واختلَّت المصالح العامة ، وتزلزلت الهيئة الاجتماعية ، وبطل الأمن ، وعمت الفوضى ، وتعطَّلت أوامر الشريعة ، وهُدمت الجوامع ، ونهبت البيوت ، وخربت البلاد ، وانصبت على رأس الأمة المصائب ، وأصابها كل ما يصيب الأمم في مثل هذه الحروب التي تثيرها الأهواء والشهوات ، ومع هذا لا يُعرف متى يستتب الأمن وتعود الراحة ؟ إذ كل صاحب عصبية وذي مطامع كبيرة ينهض قائلاً : أنا أحق بالخلافة من صاحبها ، فعلى الناس أن يبايعوني ، ويقاتلوا في صفي ، وينصروني على عدُوي ) ! ، فماذا تكون حال الأمة إذ ذاك؟، ألا تكون كالريشة في مهب العواصف ، تقلبها الرياح كيف ما شاءت ؟ أَوَلا تصبح كسفينة في بحر محيط لا ربان عليها ، تتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة ، فتعلو تارة ، وتسفل أخرى ، ويُخشى عليها الغرق كل آن ؟ ولا ينكر أن مع هذه المخاوف والأهوال يُحتمل أن ترد الخلافة إلى الأصلح لها ، فأي صورة أحق أن ترجحها الشريعة الغرَّاء ؟ أتلك التي مصالح الأمة فيها مصونة مضمونة ، والمفاسد محتملة ؟ أم هذه التي الخراب والدمار فيها محقَّق ، ورَدّ الحق إلى أهله محتمل ؟ كل مَن له أدنى حظ من العقل الصحيح لا يتردد في الجواب بأن الصورة الأولى أحق أن تُقبل ، وتعوَّل عليها في مثل هذه الحالات ، وقد فعلت الشريعة ذلك جَرْيًا على قاعدة ( المنافع تُجلَب ، والمضار تُدفَع ) ، وإذا اختلطت المصالح والمفاسد تختار الشريعة طريقًا أقل مضرة ، وأكثر مصلحة ، وترجح أهون الشرّين ؛ إذ لو لم تفعل ذلك ، وفَرَضَتْ على الأمة عدم الخضوع لأحدٍ سِوَى جامع شروط الخلافة والمنتخب على الطريقة الجمهورية الصحيحة لقام - كما قلنا - كل مَن اتخذ إلهه هواه لنيل الخلافة ، وقال : هذا الخليفة ليس بأهلٍ ، وأنا أحق منه ، وأجمع للشروط ، ثم ماذا كان بعد ذلك ؟ : القتل والسلب ، وإهراق الدماء ، وزهق النفوس ، وانهدام الهيئة الاجتماعية ، وتزعزع أركان الأمة ، فمَن كان يحافظ على البلاد ، ويحكم بين العباد ، ويعاقب المجرمين ، ويحد السُّرَّاق ، وقُطَّاع الطريق ، ويأخذ الزكاة ، ويقيم الجمعة والعيدين ، ويدافع عن الثغور ، ويرابط على الحدود ؟ . وايم الله ، لو كان كذلك لتداعت الأمم الأكالة على المسلمين ، ولاحتلت بلادهم ، وخضدت شوكتهم ، واستعبدتهم ، وأذلتهم ، وفعلت بهم ما فعلت ! ، فقبول خلافة المتغلب أحسن وأهون ، أم هذا الخراب والدمار الذي ليس فوقه خراب ولا دمار ؟ ؛ ولذا أمرت الشريعة بطاعة الخليفة المسلم مهما كان ظالمًا ومستبدًا ، وكيفما كانت سيرته وسريرته ما لم يأمر بمعصية الله ، وما أقام الصلاة - والله تعالى أعلم بما يأمر ، وهو بصير بمصالح العباد ! [*] . ***
أخوكم: إبن أحمد.
|